ابن أبي الحديد
318
شرح نهج البلاغة
بمال غيره على نفسه أو على غيره وأفحشها بخله بمال غيره على نفسه ، وأهونها - وإن كان لا هين فيها - بخله بماله على غيره . وقال عليه السلام : ( اللهم اجعل لمنفق خلفا ، ولممسك تلفا ) . وقال : ( إن الله عز وجل ينزل المعونة على قدر المؤونة ) . وقال أيضا : ( من وسع وسع عليه ) . وقالت الفلاسفة : الجود على أقسام : فمنها الجود الأعظم ، وهو الجود الإلهي ، وهو الفيض العام المطلق ، وإنما يختلف لاختلاف المواد واستعداداتها ، وإلا فالفيض في نفسه عام غير خاص ، وبعده جود الملوك ، وهو الجود بجزء من المال على من تدعوهم الدواعي والأغراض إلى الجود عليه ، ويتلوه جود السوقة ، وهو بذل المال للعفاة أو الندامى والشرب والمعاشرين والاحسان إلى الأقارب . قالوا واسم الجود مجاز ، إلا الجود ( 1 ) الإلهي العام ، فإنه عار عن الغرض والداعي . وأما من يعطى لغرض وداع نحو أن يحب الثناء والمحمدة ، فإنه مستعيض وتاجر يعطى شيئا ، ليأخذ شيئا قالوا قول أبي نؤاس فتى يشترى حسن الثناء * بماله ويعلم أن الدائرات تدور ليس بغاية في الوصف بالجود التام ، بل هو وصف بتجارة محمودة ، وأحسن منه قول ابن الرومي وتاجر البر لا يزال له * ربحان في كل متجر تجره أجر وحمد وإنما طلب الاجر * ولكن كلاهما اعتوره . وأحسن منهما قول بشار ليس يعطيك للرجاء ولا الخوف * ولكن يلذ طعم العطاء ( 2 ) ونحن قد ذكرنا ما في هذا الموضع من البحث العقلي في كتبنا العقلية
--> ( 1 ) ب : ( على الجود ) .